
شهادة الصحفي المصري عبد العال عابد حول الخضير الحموتي تعيد فتح ملف مناضل مغاربي منسي
أعاد الدبلوماسي والصحفي المصري بجريدة «الأهرام»، عبد العال عابد، فتح واحد من أكثر ملفات الذاكرة المغاربية إهمالاً، من خلال حلقة من برنامجه الأسبوعي «رحلة قائد»، خصّصها للمناضل المغربي محند الخضير الحموتي، المعروف بلقب “الجندي الإفريقي”، أحد أبرز الوجوه التي طبعت تاريخ النضال المشترك في شمال إفريقيا، قبل أن تُغيَّب عن التداول الإعلامي والتأريخي لسنوات طويلة.
وفي قراءة تاريخية موثقة، أبرز عبد العال عابد المكانة الخاصة التي شغلها الخضير الحموتي داخل مسار التحرر المغاربي، واصفاً إياه بـالدبلوماسي الأممي الذي تجاوز الانتماءات الضيقة، وجعل من قضايا التحرر في المنطقة معركة واحدة، دفع ثمنها غالياً حين انتهت حياته ضحية الاغتيال على الأراضي الجزائرية.
وسلّط البرنامج الضوء على الدور المحوري الذي اضطلع به الحموتي خلال خمسينيات القرن الماضي، حيث تحوّل إلى حلقة وصل بين الفاعلين السياسيين والثوريين في المغرب والجزائر، مستثمراً شبكة علاقاته الواسعة لخدمة مشروع التحرر المغاربي. وأكد الصحفي المصري أن سيرة هذا المناضل تمثل نموذجاً نادراً للعمل السياسي القائم على القناعة والتضحية، بعيداً عن منطق المناصب والمكاسب.
وتوقف عبد العال عابد عند العلاقة الوثيقة التي ربطت الخضير الحموتي بقادة الثورة الجزائرية، من قبيل محمد بوضياف، أحمد بن بلة، هواري بومدين وعبان رمضان، مبرزاً أن منزله بمدينة بني أنصار شكّل فضاءً آمناً ومفتوحاً لعدد من هؤلاء القادة، حيث وفّر لهم الإقامة والدعم اللوجستي والرعاية الإنسانية خلال فترات حساسة من مسار الثورة الجزائرية.
وأشار البرنامج إلى أن الخضير الحموتي لم يكتفِ بالدعم السياسي والمعنوي، بل ساهم بشكل مباشر في تمويل جيش التحرير الجزائري بعد استقلال المغرب، وظل وفياً لقضية استقلال الجزائر حتى بعد حصوله على جنسيتها. ورغم ذلك، اختار الابتعاد عن مواقع السلطة، رافضاً الانضمام إلى الحكومة الجزائرية المؤقتة التي تشكلت في تونس سنة 1959، مفضلاً الاستمرار في خطه النضالي المستقل.
وفي السياق ذاته، كشف عبد العال عابد أن الملك الراحل الحسن الثاني كان قد عيّن الخضير الحموتي عضواً في ديوانه الخاص، وراهن على الاستفادة من خبرته الدبلوماسية بتعيينه سفيراً للمملكة المغربية لدى الجزائر، غير أن التحولات السياسية والتوترات التي عرفتها المرحلة أجهضت هذا التوجّه، لتُطوى صفحة “الجندي الإفريقي” نهاية مأساوية بعد اختطافه واغتياله في ظروف غامضة داخل التراب الجزائري.
وانتقد الصحفي المصري ما وصفه بـتغييب الذاكرة الجماعية في بلدان المغرب العربي، معتبراً أن هذا التهميش ساهم في طمس أسماء وازنة من تاريخ المقاومة المشتركة، وعلى رأسها الخضير الحموتي، الذي شكّل رمزاً للنضال العابر للحدود، وواحداً من الوجوه الريفية التي لعبت أدواراً محورية في صناعة تاريخ المنطقة.
وختم عبد العال عابد شهادته بالتأكيد على أن إعادة الاعتبار لسيرة الخضير الحموتي لا تندرج في خانة الحنين إلى الماضي، بل تمثل حاجة معرفية وتاريخية لفهم طبيعة العلاقات المغاربية في مرحلة التحرر، وإنصاف شخصيات صنعت الأحداث وبقيت خارج دائرة الضوء، رغم حجم التضحيات التي قدمتها.