
1000 إزري من الريف”… إصدار يوثق الذاكرة الشعرية ويعيد الاعتبار للتراث اللامادي
بلادي اليوم :
في خطوة توثيقية لافتة تسهم في صون التراث الثقافي اللامادي، صدر حديثًا كتاب “1000 إزري من الريف”، في عمل يُعيد الاعتبار لفن “الإزران” باعتباره أحد أبرز أشكال التعبير الشعري الشفهي في منطقة الريف، ومرآة صادقة لذاكرتها الجماعية. ويأتي هذا الإصدار ليملأ فراغًا مهمًا في مجال التوثيق الثقافي، من خلال جمع مادة غنية ومتنوعة تعكس عمق هذا الفن وامتداده التاريخي.
ويمتد هذا المؤلَّف على أكثر من 500 صفحة، موثقًا ما يزيد عن 116 سنة من الذاكرة الفنية المغربية، عبر ريبيرتوار متنوع يضم إسهامات أكثر من 40 فنانًا وفنانة، إلى جانب توثيق ما يفوق 6600 نص شعري (إزري)، جُمعت من مصادر متعددة، من بينها كتب ودراسات أكاديمية وأبحاث ميدانية، وهو ما يمنح العمل قيمة علمية وتوثيقية متميزة.
ولا يقتصر الكتاب على الجمع والأرشفة، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل دلالات النصوص واستحضار سياقاتها التاريخية والاجتماعية، رابطًا بين “إزران” والظروف التي أُنتجت فيها. فقد توقف المؤلف عند محطات تاريخية بارزة، من قبيل فترة الحرب الأهلية الإسبانية، وموجات الهجرة نحو الجزائر، وتجارب الاغتراب والعمل خارج الوطن، مبرزًا كيف عكست هذه الأشعار مختلف الحالات الإنسانية، من الفرح إلى الألم والفقد، ما يجعل من هذا العمل شهادة حية على تحولات المجتمع الريفي عبر الزمن.
ومن بين أبرز ما يميز هذا الإصدار، تقديم نصوص “إزران” بثلاثة أنظمة كتابية: الحرف العربي، واللاتيني، وتيفيناغ، في خطوة تروم توسيع دائرة القراء وضمان وصول هذا التراث إلى فئات أوسع، مع الحرص على توثيق دقيق للمصادر وتقديم شروح تفسيرية تساعد على فهم أعمق لمضامين النصوص ودلالاتها.
كما يستند الكتاب إلى ببليوغرافيا غنية تضم أكثر من 70 مرجعًا علميًا، ما يعزز مكانته كمرجع أساسي للباحثين في مجالات الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية، خاصة المرتبطة بذاكرة الهجرة. وقد أولى المؤلف اهتمامًا خاصًا بإزران الهجرة، التي تعكس تجارب الحرب، والبحث عن فرص العمل، ولمّ شمل الأسر، وهو ما يضفي على العمل بعدًا إنسانيًا عميقًا.
ويُعد هذا العمل ثمرة جهد فكري وثقافي للكاتب والمُؤلّف المسرحي أحمد زاهد، الذي يشغل أيضًا مهمة المسؤول عن مرصد التنوع في خدمات الاتصال السمعي البصري، حيث يواصل من خلال هذا الإصدار مساره في خدمة الثقافة المغربية وتثمين مكوناتها اللامادية، عبر مقاربة تجمع بين الحس الإبداعي والدقة البحثية.